القرآن كان دوائي
قصة طفلة كانت تعاني من التأتأة حتى وجدت صوتها من جديد
كنت أوقف أمام السبورة، أنظر إلى الكلمات المكتوبة وكأنها أشياء أعرفها جيدًا… لكن لا أستطيع إخراجها. كنت أحفظ الدرس، أراجعه مرارًا، أكون متأكدة من كل إجابة، ومع ذلك، ما إن يُطلب مني القراءة حتى يبدأ صوتي بالانكسار قبل أن يخرج.
التأتأة لم تكن مجرد صعوبة في الكلام، كانت شعورًا ثقيلًا يسبق كل كلمة. وكنت وقتها طفلة صغيرة، حساسة جدًا لكل شيء يُقال أو يُفعل. كلمة واحدة كانت تكفيني لأبكي بصمت، ونظرة واحدة كانت تظل عالقة في ذاكرتي أيامًا.
ومع الوقت، لم تعد المشكلة في النطق فقط، بل في الناس. ضحكات خافتة هنا، تقليد لكلماتي هناك، وكأنني مادة للتسلية دون أن أدري. حتى بعض من أقاربي لم يكونوا يدركون أنهم يضيفون جرحًا جديدًا كل مرة يعيدون فيها تقليد صوتي. كنت أبتسم أحيانًا حتى لا يلاحظ أحد أنني انكسرت من الداخل.
شيئًا فشيئًا، بدأت أختار الصمت. لم أعد أشارك في الإجابة، ولا أرفع يدي، ولا أتحدث إلا عند الضرورة. أصبح الصمت أسهل من مواجهة ذلك الارتباك الذي يسبق كل كلمة. وفي داخلي، كنت أختبئ خلف هدوء طويل لا يراه أحد، لكنني كنت أشعر بكل شيء.
كبرت قليلًا، وابتعدت عن المدرسة، لكن التجربة لم تبتعد عني. كانت ترافقني كظلّ لا يُرى، ومعها شعور أن في داخلي شيئًا مكسورًا لا أعرف كيف أُصلحه. كنت أبحث عن أي مخرج، أي طريقة أستعيد بها نفسي دون خوف.
وفي يوم من الأيام، سمعت عن قراءة القرآن بصوت عالٍ، وعن أثره في تهدئة النفس وتقوية اللسان. لم أكن أملك يقينًا كاملًا، لكنني كنت أملك رغبة في أن أجرب فقط… رغبة شخص تعِب من الخوف.
بدأت أقرأ بصوت منخفض جدًا، كأنني أختبر نفسي دون أن أواجهها مباشرة. كنت أرتجف في البداية، لكنني لم أتوقف. ومع الأيام، بدأ الصوت يعلو شيئًا فشيئًا، ومعه بدأ شيء آخر يتغير بداخلي.
لم أعد أرى الكلمات كخوف، بل كشيء يمكن أن يمر بسهولة. لم أعد أهرب من الجمل، ولم يعد التوتر يسبق صوتي كما كان. وكأن شيئًا كان مقيدًا بداخلي بدأ يتحرر بهدوء.
حتى التأتأة… بدأت تختفي تدريجيًا، دون أن أشعر باللحظة التي انتهت فيها، وكأنها انسحبت بصمت من حياتي.
اليوم، حين أسترجع تلك الفترة، لا أراها مجرد مرحلة صعبة، بل أراها طفولة كاملة من الخوف والسكوت والانكسار. لكنها في نفس الوقت كانت بداية فهمي لنفسي، وأن الأشياء التي تكسرنا قد تكون هي نفسها الطريق لشفائنا.
ومع مرور الوقت، حين رآني أقاربي وقد شُفيت تمامًا بفضل الله، كان ذلك أكبر دليل على أن ما عشته لم يكن نهاية، بل بداية حياة مختلفة تمامًا.
والقرآن بالنسبة لي لم يكن مجرد قراءة… كان أمانًا، وطمأنينة، وطريقًا عدت به إلى صوتي.


الحمد لله
راحت التأتأة؟